تمييز العلم عن العلم الزائف

Standard
شارك المقال

تمييز العلم عن العلم الزائف

أعداد : زهراء اللويم, سلوى حمدي

مراجعة : سلوى حمدي

بعد تطور العلوم التكنولوجية اتسعت رقعة المصادر المعلوماتية وأخذت كل المعلومات بالانتشار بشكل مهول, الجيد والسيء, الصحيح والمُزيف. وفي خضم هذه الثورة المعلوماتية لابد لنا من اتخاذ سلاح فعّال للتفرقة بين الجيد والرديء لئلا ندخل في دوامة معلوماتية زائفة توقعنا في أمور لايُحمد عُقباها حتى على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال لا الحصر, كل يوم تقريبًا يتم تداول رسائل واتسابية تفتي في مرضٍ معين أو علاج جديد أو تفسيرات لظواهر معنية, وكل تلك المعلومات قد تكون مغلوطة أو مفهومة بشكل خاطئ ولكن كيف لنا أن نُفرق بينها؟, نستطيع ذلك عن طريق معرفة العلم لكي نميزه عما سواه من زيف ولغط, ولأن الشيء يُعرف بضده, نستطيع معرفة الزائف عن طريق تمييز العلم الحقيقي.

فماهو العلم ؟.

سنقول بأن العلم هو كما عرّفته لنا الكتب, الفكر الناتج عن دراسة سلوك وشكل وطبيعة الأشياء مما يؤدي إلى الحصول على معرفة عنها. ولكن دعونا نتوقف لحظة, لانريد تعريفًا لفظيًا, لكن مقصودنا بمعرفة العلم هو معرفة أساسيته وخواصه المميزة له. وفي هذا المقال سنُعرّج معًا على ذلك. ولأن المعلومات الطبية بما لها من أهمية ودور في صحة الفرد والمجتمع لاقت نصيبها من النشر واللغط, أصبح لزامًا على المختصين في العلوم الصحية توسيع تحقيقاتهم حول صحة المعلومات والتوغل في التحقق من البحوث والمقالات المنشورة, وهنا سنُورد باختصار بعض من خصيصات العلوم الزائفة عن العلوم الحقيقية.

– يعتمد العلم الزائف في بحوثه على مصادر قديمة, أسطورية وغير مُحدّثة, وأيضًا تعتمد على المصادر الأخرى التي تحتوي على نفس منهجها وفكرتها ونادرًا ماتراها تضع مصادر معتمدة وموثوقة لكي يتم التحقق منها.

– العلم الزائف غالبًا مايبدأ بافتراض hypothesis جذّاب وغير محتمل, ويُنظر إلى البحوث والمعلومات التي تدعمه وتُثبت صحته, متجاهلين بذلك الإثباتات المضادة له, لأن العلم الزائف له هدف مَنطقة المعتقدات السائدة والثابتة والأفكار السابقة عند المعتنق لها عوضًا عن النظر والبحث في صحتها. متغاضين في إثباتاتهم عن الاختبارات والتجارب المُحكمة وفق المقاييس العلمية لذلك.

– العلم الزائف يعتمد بشكل كبير على التجارب الفردية subjective validation, على سبيل المثال, تمّ استخدام تقنية سحب الرقبة سواء ليدويه أو بجهاز سحب ميكانيكي cervical traction لمريض يُعاني من صداع مزمن مشخصة بـ cervicogenic headache, وبعد الانتهاء من التقنية قلّ الألم وبعد عمل هذه التقنية لمرةً أخرى اختفى الألم, ظهرت لنا هذه النتيجة (cervical traction is considered to be a cure for cervicogenic headache)(تقنية سحب الرقبة شفاء للصداع الذي ينشأ من الرقبة). إن التجارب المُحكمة تعتمد في إظهار نتائجها على دراسة عدة حالات لها تعاني من صداع مزمن ولها نمط مشابه في ظهور الآلام ثم تُخضعها لظروف ثابتة قدر الإمكان وتعزل المؤثرات الأخرى وتقوم بعزل العينة لمجموعتين -مجموعة تخضع لعلاج سحب الرقبة و مجموعة أخرى لعلاج أخر أو بدون علاج- ثم تقوم بمقارنة النتائج بعد تحديد مدة العلاج وتوحيد أنماطه ليتم الخروج بنتيجة قد تكون مؤثرة وحاسمة إلى حدٍ ما!.

– يعتمد العلم الزائف على المصطلحات التعسفية للثقافة الإنسانية بدلاً من المصطلحات الطبيعية الثابتة على سبيل المثال، تعتمد تفسيرات علم التنجيم على أسماء الأشياء التي هي عرضية وتختلف من ثقافة إلى أخرى. إذا كان القدماء قد أعطوا اسم المريخ إلى الكوكب الذي نُسميه المشتري والعكس صحيح فإن علم الفلك قد لا يعير لهذا الأختلاف اهتمامًا كبيرًا ولكن علم التنجيم على العكس تمامًا فهو يعتمد على الأسم فقط ولا علاقة له بالخصائص الفيزيائية للكوكب نفسه.

يتجنب العلم الزائف وضع فرضياته في اختبار ذا مغزى، إن علماء العلم الزائف لايقومون بعمل أي تجربة ذات منهجية بنفسهم بالإضافة لتجاهُلهم لنتائج العلماء الآخرين. إنهم لا يقومون بمتابعة بعضهم البعض فإذا ادعى أحدهم بقيامه بتجربةٍ معينة فلن يقوم عالم آخر بتحديث تلك التجربة أو التأكد منها حتى ولو كانت النتائج الأولية ناقصة أو مُشككة. في الواقع إن قام عالم منهم بتجربةٍ ذات نتائج ملحوظة فإنه لن يقوم بتكرار تلك التجربة للتأكد من النتائج والإجراءات المُتبعة. هذا في تناقضٍ تام مع العِلم حيث التجارب الحاسِمة تُعاد بواسطة العلماء حول العالم لزيادة دِقتها.

– غالباً مايُناقض العلم الزائف نفسه حتى في شروطه الخاصة ومثل تِلك التناقضات المنطقية ببساطة يتم تجاهلها أو إيجاد تفسير منطقي لها، لهذا لا يجب علينا التفاجؤ عندما نجد في الفصل الأول لِكتاب يتحدث عن البحث عن المياه الجوفية والمعادن في الأرض أنه يجب استخدام الأغصان حديثة القطع لأن الخشب الحي فقط هو الذي يستطيع توجيه وتركيز الإشعاع الأرضي في حين في الفصل الخامس يذكر أن جميع الباحثون تقريباً يستخدمون قضباناً معدنية أو بلاستيكية.

العلم الزائف يخلق عمداً الغموض والألغاز في حين لا يوجد شيء غامض وذلك من خلال حذف المعلومات والتفاصيل الهامة، حيث من الممكن تحويل أي شيء إلى غموض ولُغز بحذف المعلومات الأساسية والمعروفة عنه أو إضافة معلومات خيالية والكتب التي تتحدث عن مثلث برمودا هي مثال تقليدي لهذه الطريقة.

عُلماء العلم الزائف لديهم ولع لمدة قصيرة في أكثر من موضوع فهم لا يحرزون أي تقدم في موضوع مُعين فتراهم يتنقلون من موضوع لِآخر هذا مايجعل المعلومات المُتاحة في موضوعٍ مُعيّن قليلة أو قديمة أو لم يتم الإلمام بكافة جوانبه. هذا مايجعل المواضيع القديمة قلّما تُغيّر أو تُستحدث، وكُلما كانت النظرية قديمة وغير معروفة بشكلٍ كاف للعامة سيجعلها سهلة التصديق. من النادر أن نرى اكتشافاً جديداً بواسطة عُلماء العلم الزائف فلا يوجد ظاهرة طبيعية أو منهج قديم اكتُشف بواسطتهم.

يحاول العلم الزائف الإقناع بواسطة الدعاية *نشر المعلومات والإشاعات*، البلاغة النثرية والتحريف عوضاً عن الأدلة الصحيحة (التي من المُحتمل أنها غير موجودة). تُقدم كتب العلوم الزائفة أمثلة على كل نوع من زيف المنطق والمنطق المعروف للعلماء وقامت باختراع أفكار جديدة خاصة بها. يُحب علماء العلم الزائف “حجة جاليلو” حيث يشبهون انفسهم بـ”جاليلو” حيث كان يُعتقد بأنه على خطأ من قبل معاصريه والواقع أن ثبت صحة ما عرضه لاحقًا, تماماً كالعلم الزائف وعلمائه فإنهم يعتقدون بأنهم ما يعرضونه صحيح حالهم حال جاليلو. لكن من الواضح أن هذه مقارنة لا يُؤخذ بها! علاوةً على ذلك تم اختبار أفكار جاليلو والتحقق منها وقبولها على الفور من قبل زملائه العلماء. أما الرفض فقد كان من الكنيسة الكاثوليكية التي فضلت العلوم الزائفة التي تتناقض مع نتائج جاليلو.


جدول ملخص لبعض الخصائص المميزة للعلم عن العلم الزائف 

العلم

العلم الزائف

  • نتائج العلم تعرض بشكل رئيسي عن طريق المجلات العلمية المحكمة و المراجعة بشكل منهجي بمقاييس محددة.
  • خطابهم موجه للعامة بدون مراجعة منهجية أو تحقق من أهليته للنشر.
  • تتميز نتائج المنهج العلمي بالقدرة على أعادة اختبارها و التحقق من نتائجها لضمان المصداقية و تحسينها.
  • نتائج العلوم الزائفة تخفق أمام محاولات أعادة اختبارها للتحقق من مصداقيتها , و إذا ما تمت هذه الاختبارات فهي غالبًا غير واضحة المعالم و لا يمكن وصف ماهيتها بشكل دقيق.
  • لا يتردد العلم في البحث عن ثغرات النظريات التي يعرضها لدراستها واعادة التحقق منها عن قرب
  • يتجاهل العلم الزائف أخطاءه أو ثغراته و قد يصل لحد الكذب بشأنها وتزوير نتائجها أو محاولة تبريرها رغم عدم صحتها.
  • يمكن قياس النتائج و التقدم الذي يحرزه العلم مع الوقت بشكل حسي واضح.
  • لا يمكن إيجاد أدلة حسية واضحة تثبت ادعاءات العلم الزائف, و قلما يحقق نتائج او تقدم في اختباراته
  • يعتمد العلم على الأدلة عالية الجودة , المنطق والمنهج النقدي لعرض معطياته
  • يعتمد العلم الزائف على الرجوع للاعتقادات ,استعطاف الناس او اللجوء لمظلة دينية للترويج لادعاءاته
  • عندما تظهر أدلة علمية جديدة وعالية الجودة تناقض أفكارًا قديمة يتم استبعاد القديمة.
  • قلما يتخلى العلم الزائف عن أفكاره القديمة حتى لو ثبت بطلانها.
  • العلم لا يروج لأي منتج أو ممارسة غير مثبتة.
  •  يكسب مروجي العلوم الزائفة عيشهم ممن الترويج لمنتجات مشكوك في أمرها مثل 🙁 (كتب , كورسات أو مكملات غذائية )

إقرأ ايضًا :

لماذا نحتاج أن نتبنى الطب المبني على فهم العلم ؟

لماذا بعض العلاجات الغير فعالة قد تبدو مفيدة أحياناً ؟

كيف يمكن أن نُعرف “الخداع” عندما يتعلق الأمر بصحتنا ؟


المرجع :

Distinguishing Science and Pseudoscience

اترك رد