أساسيات في فهم الألم

Standard
شارك المقال

“Nociception is neither sufficient nor necessary for the experience of pain”

د.فارس العضيبي

أستاذ مساعد واستشاري التأهيل والعلاج الطبيعي بجامعة  الملك سعود


أعلق على هذه العبارة المهمة لتعطينا فرصة في فهم الألم بشكل أفضل وقبل أن نبدأ لابد من التفريق بين اشارات الخطر nociception و الألم pain فالأول (اشارات الخطر) صادرة من مستقبلات الخطر الموزعة في عدة مناطق في اجسامنا بينما الثاني (الألم) فهي استجابة صادرة من المخ لوجود خطر محتمل

سنعود لتوضيح ذلك ولكن دعونا نتحدث قليلا عن نظام عجيب ومدهش يحتوي على مليارات الخلايا (الخلايا العصبية) ويمتد عدة كيلومترات ليغطي جسمنا بالكامل. هذا النظام شديد التعقيد وفائق القدرة يتيح لنا استخدام الجسم للتفاعل مع البيئة المحيطة والتحكم في وظائف الجسم وبنفس الوقت يحمينا من الخطر.

كما أخبرنا سابقا فالجهاز العصبي يمتد ويتوزع في جميع أنحاء الجسم كي يتيح لنا الاستشعار والتفاعل مع البيئة المحيطة والتحكم في وظائف الجسم وبنفس الوقت يحمينا من الخطر واختلال التوازن، فالجهاز العصبي يعمل كجهاز انذار شديد التعقيد والتطور ولذلك فهو يمتلك عدة أنواع من المستقبلات.

المستقبلات أو الحساسات تعمل بدقة عالية ولها أنواع عديدة أهمها مستقبلات/حساسات:

  • الحرارة (لاستشعار تغيرات درجة الحرارة)
  • ميكانيكية (لاستشعار الحركة والضغط)
  • كيميائية (لاستشعار التغيرات الكيميائية)
  • مستقبلات ضوئية في العين

هذه المستشعرات تساعدك مثلا على الإحساس ببرودة الطقس لترتدي ملابس متينة أو حرارة الطقس فترتدي شيئا خفيفا وكذلك تساعدك في التعرف على حركة جسمك دون الحاجة للنظر وتستشعر السطح الذي تمشي عليه و تشعر بالتعب عندما تطيل الجلوس وتستشعر شكل الأشياء باللمس وهذه أمثلة قليلة لتساعدنا في الفهم

عندما تكون الحياة جيدة ولا توجد اختلافات في جسمنا Homeostasis فتلك المستقبلات تكون موزعة بشكل متناسب ومعتدل لتساعدنا على استشعار الأشياء بشكل مناسب ولكن عند وجود اختلال خارجي أو داخلي فالجهاز العصبي يحتاج معلومات أكثر عن سبب الاختلال فيزيد من عدد المستقبلات من النوع المناسب

مثلا: عند برودة الطقس (اختلال) فجسمك يزيد من مستقبلات الحرارة لتشعر بالبرودة بشكل أكبر لتحمي نفسك بلبس ملابس متينة وتبقى في مكان دافئ (كل هذا ليبقى جسمك في حالة توازن). وعندما تصاب أثناء لعب الكرة فجسمك يزيد من المستقبلات في المنطقة المصابة لتكون حساسة بشكل أكبر لحماية المنطقة

العجيب أن هذه المستقبلات تتغير باستمرار وحسب مايعتقده الدماغ أفضل لك. عند اصابتك قبل موعد مهم (نوع من الضغط النفسي) فيزيد عدد المستقبلات في المنطقة حتى لو لم تصاب الأنسجة. وذلك لتشعر بالألم مثلا وتحمي المنطقة بشكل أكبر. مجرد ماتتأكد أنه لا يوجد اصابة يبدأ الاحساس يعود لطبيعته.

العقل هو المسؤول عن هذا النظام وقادر على كل هذا العمل. هناك حساسات (مستقبلات) موزعة في كافة أنحاء جسمنا وهي على ٣ أنواع (للحرارة وللتغيرات الكيميائية ومستقبلات ميكانيكية) وجميعها متصل بالجهاز العصبي وعلى رأسها الدماغ وتمدها بالمعلومات بشكل مستمر .

 

🧠

المخ هو القائد في هذا النظام وهو المحلل لجميع الاشارات وقد يستلم ويتجاهل ما يشاء من تلك الاشارات وهدفه الاساسي المحافظة على التوازن وحماية الجسم. ولهذا الهدف المهم فالمخ لا يكتفي بتلك الاشارت في التحليل بل يدمج معها ما يحدث في البيئة المحيطة.

سأتحدث بشكل مختصر هنا عن النموذج المقترح (من عام ١٩٩٨) من أحد الرواد في العلاج الطبيعي في علم الألم بمفهومه الأشمل والحديث (العالم لويس قيفورد). هدف هذا النموذج هو فهم الألم بشكل أوسع بيلوجيا مع الأخذ بالاعتبار العوامل النفسية والاجتماعية.

هدف الألم الأساسي حسب هذا النموذج هو تغيير سلوكنا من أجل تعزيز عمليات التعافي في الجسم وزيادة فرص البقاء على قيد الحياة. تشمل النظم البيولوجية التي قد تكون مشتركة في إنتاج الاستجابة السلوكية أو الفسيولوجية لأي تهديد للتوازن داخل الجسم: الجهاز الحركي الجسدي ، والجهاز العصبي ونظام الغدد الصماء والجهاز المناعي. وبالتالي ، قد تؤدي الإصابة الجسدية إلى تغيير في نشاط جميع هذه الأنظمة وليس مجرد الشعور بالألم.

بعد الاصابة يتلقى الدماغ الاشارات الحسية عن الانسجة (واشارات الخطر nociception) والظروف البيئية ثم يبدأ بالتحليل آخذا بالاعتبار الخبرات السابقة ومستوى المعرفة والاعتقادات والمخاوف والسلوك الصحيح والخاطئ في مثل هذه الحالات. وبعدها يقرر الدماغ الاستجابة المناسبة في مثل هذه الظروف.

الاستجابة قد لا تشمل الألم وقد تشمله حسب الظروف كما أخرنا سابقا. فالجندي الذي تعرض لاصابة وهو في أرض المعركة قد لا يكون من المناسب الاستجابة بألم قد يعيقه عن الهروب والنجاة.

الاستجابة قد تحمل ألما أشد من المتوقع بالرغم من التأثر البسيط للأنسجة ومثال ذلك عندما تتعامل مع الورق وتمرر الورقة على يدك بالخطأ وتشعر بألم وقد يكون الألم شديدا بالرغم من القطع البسيط في أصبعك.

كل هذا يوضح أن شدة الألم لا يمكن أن يكون مقياس موثوق لشدة تلف النسيج لأن الألم أشد تعقيدا من ذلك ولوجود عدة عوامل أخرى غير اشارات الخطر من النسيج مثل البيئة المحيطه والاعتقادات والخبرات السابقة وغيرها من العوامل العقلية والنفسية والاجتماعية كما ذكرنا ذلك سابقا وسنتحدث أكثر لاحقا.

قبل الاكمال في موضوع فهم الألم.

هل توافق أن قياس شدة الألم بشدة تلف النسيج قياس غير موثوق وغير دقيق؟

🤕🔩

أريد أن أضيف قصة في هذا الشأن قبل أن ننتقل لموضوع آخر. الحادثة نشرت في المجلة الطبية البريطانية. بناء بعمر ٢٩ جاء الى الطوارئ بإصابة بالقدم. مسمار اخترق حذائه والألم كان شديدا لدرجة أن أي محاولة لتحريك المسمار كان يصيبه بألم شديد لذلك تم اعطائه مخدر قوي ليتم اخراج المسمار

عندما تم تخديره وتم سحب المسمار كانت المفاجأة المسمار دخل بين الأصابع ولم تكن القدم مصابة.

اذا ما سبب الألم الشديد؟؟

كما سبق وذكرنا , فالألم يصدر من المخ عند وجود تهديد بوجود اصابة أو “احتمال اصابة” حتى لو لم يكن هناك تلف أواشارات خطر من النسيج Nociception

🤔

هل من الأفضل بعد مافهمنا أكثر في الألم أن نستخدم الألم أو الوظيفة لوضع أهداف العلاج مع المصابين بألم مزمن؟

عد أن عرفنا أن اشارات الخطر Nociception غير كافية وغير ضرورية للاحساس بالألم ولهذا من المهم ذكر العوامل الأخرى المساهمة في تكوين تجربة الألم. طريقة التفكير لها علاقة وثيقة بالسلوك وكذلك العاطفة. ومن هنا خرج العلاج المعرفي السلوكي .

كما جاءت نظريات كثيرة لها علاقة بالأفكار والعواطف والسلوك وعلاقتهم مع استمرار الألم وسأتكلم عن واحد من أهم النظريات في هذا الجانب:

نظرية الخوف والتجنب

Vlaeyen JWS, Linton SJ. Fear-avoidancemodel of chronic musculoskeletal pain: A state of the art. PAIN 2000 April 85(3); 317-332.

يصف النموذج كيف ينتج العجزالمرتبط بالألم والاظطراب العاطفي وقلة النشاط البدني نتيجة سلوكيات تجنب بدافع الخوف بسبب أفكار معينة. بعد الاصابة و/أو الاحساس بالألم يكون هناك أحد مسارين إما التكيف الايجابي أو السلبي.

وسأتكلم فيما يلي عن أهم٣ عوامل: التفكير السلبي ,الخوف والفاعلية الذاتية.

 

اذا كنت مصاب بألم، هل تفكر فيه دائما وتتوقع الأسوء وتشعر أنك لا تستطيع فعل شيء تجاهه؟

 
التفكير السلبي أو التهويلي يعتبر من العلامات الصفراء اللي تساهم في تطور الألم الى ألم مزمن.

التفكير السلبي أو التهويلي وتوقع الأسوء قد يؤدي الى الخوف و/أو القلق و/أو التيقظ المفرط hypervigilance والألم يصبح أشد عندما تنتبه له فيزيد قلقك وانتباهك فتصبح هناك حلقة مفرغة. زي اذا قالك أحد “يبي يصير لك اليوم شيء سئ”. كيف يبي يكون شعورك؟

 
 

احتمال حصول ألم الظهر كبير واحتمال تحسنه مع الوقت كبير كذلك ولكن هناك علامات تسمى (أعلام صفراء) يجب الانتباه لها وعلاجها مبكرا حيث أنها قد تكون علامات لاستمرار الألم والعجز وانتفاله لألم وعجز مزمن ومنها :

  • وجود قناعات واعتقادات بأن آلام الظهر ضارة أو خطيرة أو يحتمل أن تؤدي إلى عجز وتعطل شديد
  • وجود سلوك الخوف والتجنب (تجنب الحركة و النشاط بسبب توقعات غير صحيحة وربط الألم بالحركة
  • تغير وتدني الحالة المزاجية والانسحاب من التفاعل مع المجتمع
  • توقعات والاعتماد على وجود علاج (دواء سحري) بدون تفاعل من المريض نفسه فيكون المريض فاقدا للسيطرة (سيطرة خارجية: أي أن المريض يشعر أن علاجه ليس بيده بل بيد الآخرين مثل جراحة أو علاج يدوي أو…الخ)
  • اعتقاد أن الألم يجب أن يزول قبل البدء بالنشاط والحركة
  • التفكير السلبي وتوقع الأسوء والاستمرار بالتفكير بالمشكلة وتضخيم الأمر وإساءة تفسير الأعراض الجسدية
  • اطالة وقت الراحة بعد الاصابة
  • انخفاض مستوى النشاط مع انسحاب كبير من أنشطة الحياة اليومية
  • البدء بتجنب النشاط الطبيعي والاستبدال التدريجي لنمط الحياة بعيدًا عن النشاط الإنتاجي
  • الابلاغ عن شدة ألم عالية جدا ،مثل فوق 10 ، على مقياس الألم
  • الاعتماد المفرط والمبالغ فيه على استخدام المساعدات و الأجهزة محاولة في تخفيف الألم
  • قلة وتغيير جودة النوم
  • زيادة والافراط في استخدام المسكنات ورفع مقدار الجرعات مع الوقت.
  • ممارسة نمط حياة غير صحي ومن ضمن ذلك التدخين .
  • عدم وجود دافع أو حافز (سواء مالي أو غير مالي) للعودة إلى العمل.
  • طول فترة التوقف عن العمل بسبب الإصابة أو مشكلة الألم .
  • وجود خبرات سابقة فاشلة في تخفيف الألم وزيارة عدد كبير من المختصين الصحيين محاولة في وجد حل لمشكلة الألم.
  • تأنيب المريض من قبل المعالج وعدم تقديم تدخلات من شأنها تحسين الوظيفة وتقليل العجز.
  • تعدد التشخيصات أو التفسيرات والتي قد تكون متضاربة للمشكلة.
  • استخدام اللغة والاوصاف التشخيصية التي تثير المخاوف والتفكير الكارثي.
  • الوصف الدرامي من قبل المعالج الصحي لمشكلة ألم الظهر دون تقديم جهة ايجابية في الموضوع.
  • وجود عدد كبير من الزيارات في ملف المريض.
  • عدم الرضى عن العلاجات السابقة.
  • الاكتئاب والحالة المزاجية المنخفضة على المدى الطويل وفقدان الشعور بالاستمتاع بالاشياء.
  • الانفعال والغضب السريع.
  • القلق والوعي المتزايد بأحاسيس الجسم.
  • الشعور بالتوتر والشعور بقدان السيطرة على الأشياء وشعور الشخص بأنه عديم الفائدة وعدم حاجة الآخرين له
  • وجود زوج/زوجة/أو والدين مفرطين في الحماية ومتشددين من ناحية الخوف من الأذية (وكل هذا بحسن نية).
  • الاحساس بالمسؤلية المجتمعية مثل الأب بالرغم من الاصابة.
  • عدم وجود دعم اجتماعي وشخص للتحدث والفضفضة له.

 
خطوات مقترحة للتدخل المناسب في حال ظهور بعض العلامات الصفراء () لمشاكل آلام أسفل الظهر:
  • تقديم توقعات إيجابية للشخص بأنه سيعود إلى العمل والنشاط الطبيعي بإذن الله.
  • تأكد من جدولة المراجعات بشكل منتظم وخطة تهدف الى التقدم والتطور وزيادة النشاط والحركة .
  • عند إجراء المراجعات، حوّل التركيز من الأعراض (الألم) إلى الوظيفة (مستوى النشاط). فبدلاً من طرح السؤال “كم مستوى الألم؟”،اسأل “كم مستوى الحركة والنشاط؟”. ركزعلى نقاط تحسن المريض مهما كانت صغيرة وأظهرها وبينها له.
  • حافظ على حركة ونشاط المريض الذي وصل له في أغلب الأوقات إن أمكن.
  • بعد 4-6 أسابيع ، إذا كان هناك تحسن طفيف ، فقم بمراجعة الخيارات المهنية ورضا المريض الوظيفي وأي عوائق تحول دون العودة إلى العمل ، بما في ذلك العوامل النفسية والاجتماعية. فلا يمكن التعامل مع عدم الرضا الوظيفي بالعلاج الطبيعي.
  •  أقر بالصعوبات التي يواجهها المريض بأنشطة الحياة اليومية ، ولكن تجنب نصح المريض تجنب جميع الأنشطة أو أي عمل يؤلمه.
  • ان أمكن اطلب التعاون من صاحب العمل والموظف والمعالج الصحي.
  • أكد على المريض أن قضاء وقت أطول بعيدا عن العمل سيقلل فرصة رجوعة بشكل أكبر. عند الوصول لست أسابيع بدون تحسن فيمكن التوجيه لاعادة التأهيل المهني vocational rehab لايجاد حلول للعوائق التي تحول عن العودة للعمل.
  • كن منتبها لوجود معتقدات أن العودة للعمل لا تحدث الا بعد ذهاب الألم
  • عززالعلاج الذاتي self managment وتحمل المسؤلية لدى المريض وشجع تطور الفاعلية الذاتية self effecacy
  • اطلب المشورة ورأي ذوي الخبرة عندما تكون لست متأكدا بدلا من طلب تشخيصات غير ضرورية وقد تكون ضارة واستعد لقول “لاأعلم” بدلا من الاسهاب في أمر لست متأكدا منه.
  • من غير المرجح أن ينجح علاج الأعراض إذا لم يتم التعامل مع المشاكل العاطفية والاجتماعية بشكل مناسب.
  • انتبه من طرح اقتراحات من شأنها تقليل مستوى النشاط والحركة لدى المريض مثل العمل من المنزل.
  • شجع كل السلوكيات الايجابية التي تساعد على استعادة مستوى النشاط البدني.
  • إذا تم تحديد العوائق التي تحول دون العودة إلى العمل وكانت المشكلة معقدة للغاية ، فمن المستحسن الإحالة إلى فريق متعدد التخصصات Multidisplinary team

المصادر:

Gifford, L. S. (2013). The mature organism model. Whiplash—Science and Management: Fear, Avoidance Beliefs and Behaviour. Topical Issues in Pain, 1, 45-56.

Leeuw, M., Goossens, M. E., Linton, S. J., Crombez, G., Boersma, K., & Vlaeyen, J. W. (2007). The fear-avoidance model of musculoskeletal pain: current state of scientific evidence. Journal of behavioral medicine, 30(1), 77-94.

Moseley, G. L. (2007). Reconceptualising pain according to modern pain science. Physical therapy reviews, 12(3), 169-178.

Louw, A., Zimney, K., Puentedura, E. J., & Diener, I. (2016). The efficacy of pain neuroscience education on musculoskeletal pain: a systematic review of the literature. Physiotherapy theory and practice, 32(5), 332-355.

اترك رد