ومازلت على قيد الحياة.. قصة مصابة بـ #مرض_التصلب_الجلدي #Scleroderma

Standard
شارك المقال

 

قصة تحكيها أخصائية العلاج الطبيعي أسماء الحفير

عضوة في لجنة العلاقات العامة والإعلام


.

دعوني أعود معكم إلى سنواتٍ مضت..

في العقد الثالث من عمري رُزقت بمولودٍ جديد، ولما كنت أحمله أشعر بثقل وتخدّر في يديّ. استمرت هذه الأعراض لفترة طويلة مما أقلقني ودفعني للذهاب إلى المستشفى لمعرفة السبب، مكثت أسبوعًا أجريت فيه تحاليل وفحوصات كثيرة وشُكّلت لجنة من الأطباء لدراسة الحالة.. أُخبرت حينها أني مصابة بأحد الأمراض المناعية النادرة جدًا وكنت الحالة رقم ٢٠ على مستوى المملكة في ذلك الوقت.

.

ومن هنا بدأت الحكاية..

.

شخّصت بمرض التصلب الجلدي “scleroderma” وهو مرض جهازي ذاتي المناعة ويعدّ من الأمراض المزمنة.

وضح لي الأطباء أن أعراض هذا المرض تختلف اختلافًا كبيرًا من مريض إلى آخر، وقد تتراوح أعراضه من بسيطة جدًا إلى أعراض مهدِّدة للحياة.

.

تم تحويلي إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض لعمل الفحوصات اللازمة تحت إشراف أطباء مختصين. إذ أن الإصابة بالمرض تحدَّد بدقّة بعد أخذ التاريخ المرضي للمصاب وعمل بعض الفحوصات السريرية التي تؤكد هذا التشخيص وتتطلب وجود أخصائيي أمراض الروماتيزم والمفاصل rheumatologists وأطباء الجلدية dermatologists وقد يحتاج الطبيب لعمل بعض الفحوصات المخبرية والأشعة لتوضيح أعضاء الجسم المصابة وتحديد مدى الإصابة فيها. وغالبًا ما يواجه المرضى خطأ التشخيص الذي بدوره أدى إلى صعوبة تحديد نسبة الإصابة بالمرض على مستوى العالم. وتصاب النساء بنسبة تصل إلى ٤ أو ٥ أضعاف نسبة إصابة الرجال به. وتظهر أعراض المرض عادةً بين عمر ٣٠ – ٥٠ سنة كما بدأ معي.

.

سألت الطبيب المسؤول عن سبب إصابتي بهذا المرض ! فأوضح لي أن السبب الرئيسي غير معروف إلى الآن وكل ما توصلت إليه الدراسات هو الخلل الذي يصاب به الجهاز المناعي ويؤدي إلى إنتاج أجسام مضادة تقوم بمحاربة أنسجة الجسم السليمة وزيادة إفراز الكولاجين (البروتين الليفي الجامد الذي يساعد في بناء الأنسجة) فيها فيؤثر على وظائفها.

.

كان مما يُشغل بالي كثيرًا خوفي على أطفالي، فتوجهت إلى الطبيب بسؤالي عن احتمالية إصابه أحدهم بنفس المرض !  فكان رده: أن معظم المصابين بمرض التصلب الجلدي ليس لديهم أقارب مصابين بنفس المرض، وأطفالهم غير مصابين به أيضًا.

ولكن بعض الدراسات أثبتت أن هناك جينات قد تكون مسؤولة عن زيادة الاحتمالية للإصابة بهذا المرض أو غيره من الأمراض المناعية ولكنّه غير مسؤول بشكل مباشر عن الإصابة به.


.

وضح لي أن لمرض التصلب الجلدي نوعين رئيسيين: التصلب الجلدي الجهازي (systemic sclerosis (SSc والتصلب الجلدي الموضعي localized scleroderma.

التصلب الجلدي الموضعي يصاحبه عادةً تغيرات تكون في مناطق محددة وصغيرة في الجسم ونادرًا ما تنتقل هذه التغيرات إلى أماكن أخرى. ويعد تصلب الجلد الموضعي أقل شدة وخطورة من النوع الآخر، حيث أن الأعضاء الداخلية غالبًا لا تتأثر. ونادرًا ما يتحول مرض التصلب الجلدي المحدود أو الموضعي إلى النوع الجهازي. وله نوعين : المورفيا Morphea  والتصلب الجلدي الخطّي Linear scleroderma.

.

أما التصلب الجلدي الجهازي فهو نوعان أيضًا:

التصلب الجلدي الجهازي المحدود limited scleroderma غالبًا ما يتركز في اليد والأصابع والوجه ويعتبر أقل حدّة وخطورة ويتطور ببطء على مر السنين.

.

وما شُخّصت به التصلب الجلدي الجهازي المنتشر diffuse scleroderma، فمعه تصبح أنسجة الجزء المصاب صلبة وليفية مما يؤدي إلى عملها بكفاءة أقل. وتعتبر سماكة الجلد التي تصاحب تصلب الجلد الجهازي المنتشر سريعة وتشمل مساحات كبيرة من الجسم ويعد خطر إصابة الأعضاء الداخلية أكبر مع هذا النوع.

من أصعب الأمور المتعلقة بهذا النوع ما كان يردده الأطباء من أن احتمالية بقاء المصابين به على قيد الحياة لمدة ٥ سنوات تصل إلى ٧٠٪ في حين تنخفض نسبة البقاء لمدة ١٠ سنوات إلى ٥٥٪ بناءًا على ما أثبتته الدراسات في ذلك الوقت. وتحدث الوفاة غالبًا بسبب مضاعفات في القلب والرئة والكلى.

.

صورة توضح تقسيم أنواع مرض التصلب الجلدي

صورة توضح تقسيم أنواع مرض التصلب الجلدي

.

.

مع الأيام بدأت اليدين بالتورّم وكان واضحًا في الأصابع، وشدّ الجلد تدريجيًا بدءًا باليدين والوجه ثم بقية الجسم، نتج عنه جلد أملس ولامع مع ظهور بعض البقع الحمراء على الكف والوجه بسبب توسع الشعيرات الدموية Telangiectasia . وازداد اسمرار الجلد تدريجيًا بسبب زيادة التصبغات الناتجة عن الشد.

.

صورة توضح تورم اليدين والأصابع في المراحل الأولى من المرض

صورة توضح تورم اليدين والأصابع في المراحل الأولى من المرض

.

.

كانت تظهر بشكل مستمر تقرحات مؤلمة ناتجة عن ما يسمى بظاهرة رينود.

وتعتبر هذه الظاهرة من أبرز أعراض مرض التصلب الجلدي وتظهر غالبًا عند ٩٠٪ من المصابين. وهي نتيجة تضيّق الأوعية الدموية بشكل كبير مما يؤدي إلى صعوبة وصول الدم إلى المنطقة، وبالتالي تحتاج هذه التقرحات إلى وقت طويل للالتئام -يمتد إلى أشهر أحيانًا-. وتتركز هذه التقرحات في أماكن الجلد المشدود خصوصًا في رؤوس الأصابع والمرفقين.

.

صورة توضح ظاهرة رينود التي تؤدي إلى صعوبة وصول الدم إلى أطراف اليدين

 

صورتان توضحان التقرحات الاتي تصبن رؤوس الأصابع والمرفقين

.

صاحبت تلك الأعراض -أيضًا- آلام المفاصل التي كانت تتردد علي بين الحين والآخر.

بدأت أشعر بصعوبة في حمل الأشياء الصغيرة بيديّ فلم تعد حركة الأصابع سهلة كما كانت. وتطوّر الوضع تدريجيًا فأصبحت غير قادرة على تحريك بعض المفاصل بشكل كامل لدرجةٍ فقدت معها بعض ما اعتدته من أمور؛ كتسريح شعري وجلوسي على الأرض! ثم انتهى الأمر بتيبّس بعض المفاصل تمامًا.

.

صورة توضح شكل اليدين بعد تيبس مفاصل الأصابع

.

.

بعد سنوات لاحظت ظهور بعض النتوءات العظمية المؤلمة تحت الجلد في أماكن مختلفة كالمرفقين والساقين. وأخبرني الطبيب أنها ناتجة عن ترسّب الكالسيوم والذي يُعرف بالتكلّس.

.

صورة توضح التكلس على أحد أصابع اليد

.

.

أثّر المرض في السنوات الأولى على الجهاز الهضمي؛ تسبب بضيق المريء وإتلاف بعض خلاياه ونتج عن هذا صعوبة في بلع الطعام وحدوث الغصّة بشكل متكرر، فأصبحت أفقد وزني تدريجيًا بسبب قلّة الأكل.

إضافةً إلى فتحة الفم والتي كانت تصغر تدريجيًا فتؤثر على المضغ. وواجه أطباء الأسنان صعوبة في خلع الأضراس الخلفية وحل مشاكلها بسبب صغر فتحة الفم microstomia.

.

صورتان توضحان صغر فتحة الفم الناتجة عن شد جلد الوجه

.

صاحبتني الحموضة بشكل مستمر والتي نتجت عن اختلال عمل الصمام الذي يمنع عودة الطعام من المعدة إلى المريء فيؤدي إلى ارتجاع حمض المعدة.

.

بين الحين والآخر أتعرض لنوبات من الإسهال والإمساك ناتجة عن تأثّر الأمعاء الدقيقة والغليظة أيضًا، وفي بعض الفترات أعاني من حكّة مستمرة في الجلد ناتجة عن جفافه. ولم يكن الجفاف مقتصرًا على الجلد بل للعين والفم نصيب بسبب تأثير المرض على الغدد المسؤولة عن إفراز الدموع واللعاب.


.

.

لم يتوصل الطب إلى الآن لعلاج تام لمرض التصلب الجلدي. وما يقوم به الأطباء هو متابعة حالة المريض لصرف الأدوية المناسبة وإعطاء تعليمات أشبه ما تكون بالنصائح لمنع تطور المرض وتخفيف أعراضه، منها:

– الأدوية المسيلة للدم تعتبر أحد أهم الأمور للتخفيف من حدة ظاهرة رينود وبالتالي تخفيف حدوث القروح والجروح. وأيضًا الأدوية المسكنة التي تخفف من حدة آلام المفاصل والعضلات التي تتكرر بين الحين والآخر.

– استبدال الأطعمة الصلبة بأخرى أكثر ليونة لمنع حدوث الغصّة لمن يعاني من مشاكل في البلع.

–  اتباع حمية غذائية عالية الألياف لتقليل مشاكل الهضم.

–  تجنّب أخذ جرعات زائدة من فيتامين سي لأن ذلك قد يحفّز تكوّن الكولاجين وبالتالي زيادة الترسّبات الليفية.

–  الاهتمام بالجروح وإبقائها نظيفة وجافة لمنع حدوث أي التهابات أو مضاعفات أخرى.

–  الدخول ضمن برنامج العلاج الوظيفي والعلاج الطبيعي المناسب للتقليل من حدة تيبّس المفاصل ومنع حدوث التشوهات العضلية.

–  ممارسة الرياضة البسيطة كالمشي والتمارين الهوائية بشكل مستمر تقلل حدوث مضاعفات الجهاز الهضمي ومشاكل العضلات والمفاصل كما أوضحت بعض الدراسات.

– مراجعة الطبيب كل ٣-٦ شهور لعمل الفحوصات الدورية والتأكد من سلامة الجروح والأعضاء الداخلية.

.

.

وبفضلٍ من الله الذي أمدّ بعمري، ها أنا ذا أحكي لكم رحلتي مع المرض بعد مرور ما يزيد على الثلاثين عامًا ..

.

 

.

أخيرًا.. نصيحة لمن ابتلي بهذا المرض:

عِش راضيًا بما كُتِب لك.. مارِس كل نشاطٍ اعتدتَه وإن قلّ.. واستمتع بوقتك ولا تُكثر الشكوى ولا التفكير بالمستقبل.. فلك في هذه الحياة عمرًا أنت قاضيه ولك أجرًا جاريًا ما دمت صابرًا راضيًا.

.


 

.

.

Reference :

  • Medscape, scleroderma, 2016 ,Author: Sergio A Jimenez, MD, MACR, FACP, FRCP(UK Hon) Professor and Director.
  • Scleroderma foundation, www.scleroderma.org
  • Medscape, scleroderma treatment and management. Author: Sergio A Jimenez, MD, MACR, FACP, FRCP(UK Hon) Professor and Director.
  • systemic scleroderma, by philip J, Clements and Daniel E Furst . 2nd edition .
  • Sever organ involvement in systemic sclerosis with diffuse scleroderma, Arthritis Rheum, 2000, steen VD, Medsqer TA Jr
  • Familial risk of systemic sclerosis and co-aggregation of autoimmune disease in affected families. Arthritis Res There, 2016, Kuo CF – Luo SF.

 

 

اترك رد