جولة في تاريخ نظريات الألم

Standard
شارك المقال

تخيل أن تكون مطارد من قبل أسد؟. كيف سيكون تفاعلك وردات فعلك مع هذا الخظر الذي يلاحقك؟ وهل ستعتاد على مطاردته إذا مابقي حولك لمدة تكفيك للاعتياد عليه؟

إن مواجهة الخطر ردة فعل طبيعية للجسم ولها تقنيات مدروسة وتفاعلات كيميائية تتكفل بخروجك من أي طارئ بأقل ضرر ممكن. فعلى سبيل المثال لا الحصر, عندما تواجه خطر الملاحقة من قبل أسد, فإن جسدك سسيقوم بإفراز هرمونات الخطر التي تتكفل بهروبك من هذا الأسد بأقصى سرعة بغض النظر عن وضعك الجسدي و لياقتك, ستركض بكل ماأُوتيت من سرعة, ستنبهر من قدراتك في تلك اللحظات.

 

كتيته : زهراء اللويم أخصائية علاج طبيعي

 

ولكن هل من الممكن أن تخذلنا بعض من هذه القوى التي تُعد طرقًا دفاعية صُممت من الخالق الأعظم لحمايتنا؟. هل يمكن أن يحدث فشل في نظام الحماية أو عطب بطريقة أو أخرى؟.

لايخفى عليكم كمختصين و غير مختصين كون الألم طريقة دفاعية و جهاز إنذار تنبيهي, إذا كنت تسير مسرعًا و اختل توازنك فجأة مسببًا التواء كاحلي فإن نظام الدفاع في جسمك المتمثل في شعورك بالألم في الكاحل سيقوم بمنعك من الاتكاء على ذلك الكاحل و ربما مسكه والقيام بتدليكه لتخلص من الألم والإسراع إلى الطوارئ لعمل اللازم.

هذا مفهوم ومتعارف عليه في فهم الألم و يمكن استعيابه والتحكم في ذلك الألم المزعج (وإن كان إيجابيًا, ولكنك لن تريد استمرارية شعورك به أليس كذلك؟), سيكون شيء سهل وسريع فجرعة من المسكنات كفيلة بإسكاته (إن لم تعطي وقتًا وصبرًا في انتظار إفراز مسكنات الألم الخاصة بجسدك والتي تُفرز تلقائيًا), و خلال طور الاستشفاء من ذاك الإلتواء, ستعاني من آلام بسيطة طبيعية مرافقة لتلك الفترة, هذا في الظروف الطبيعية وبعد الاستشفاء تمامًا فإن المسلك الطبيعي للألم يقتضي عدم شعورك به, هذا إذا لم تكن سيء الحظ واستمر الألم لما بعد عملية الاستفشاء وأصبح مزمنًا!!.

هنا يمكن أن يكون السبب فشلًا أو خللًا في نظام الحماية. لمعرفة تفاصيل ذلك سنُعرج على نظريات الألم منذ القدم إلى يومنا هذا, في رحلة تاريخية طبية أرجو أن تُمتعكم كما أمتعتني.

نظرية ديكارت (a guest in a machine) عُدّلت ونُشرت في 1662

لقد قام ديكارات بافتراض تفسيرات كان لها أثر كبير على عالم الأعصاب بشكل خاص, وعلى فهمنا للألم إلى عصرنا الحالي, عند اكتشافه للأعصاب قام بتسميتها بـ (الأنابيب الصغيرة) (tubule) والتي تقوم بإرسال المعلومات الحسية والحركية واعتُقد حينها أن الأنابيب الحسية تُرسل للدماغ إدراكات معينة من الأعضاء ومنها الألم والدماغ يتسقبلها ويتحكم بالنشاطات الحركية على أساسها. ولكي يكتمل هذا الإدراك في الدماغ اشترط galen وجود ثلاثة أشياء:

  • عضو يتمكن من استقبال المحفزات الخارجية (stimulus)
  • علاقة وصلة بين الدماغ والعضو
  • مركز معالجة عملية ليقوم بتحويل الأحاسيس إلى مدركات.

افترضت نظريته بخصوص الألم (بالرغم من عدم كونها موضوعة لفهم إحساس الألم فقط) وجود بوابة أو مدخل (gate) بين الدماغ ووتلك الأنابيب الهيكلية (nerves tubules) والتي تُفتح عن طريق إشارات حسية فتسمح بمرور (الروح الحيوانية animal spirit) كما افترضت اللغة اليونانية, لتعبر خلال هذا الأنبوب صعودًا للدماغ, فتقوم بتنشيط جرس الإنذار المخصص لهذا الإحساس في الدماغ فيرد الدماغ عليها بنشاط حركي.

لنضعها في مثاله الشهير الطفل والنار المشتعلة, المستقبلات الحسية (nociception) الموجودة في القدم القريبة من النار تتحفز عن طريق الحرارة (stimulus) لتعبر عن طريق الأنبوب (العصب) صعودًا للدماغ, مُفعّلةً الجرس الموجود فيه ليُدرك بذلك الدماغ وجود ألم في القدم فيُصدر ردة فعل تقتضي بتحريك العين والرأس ناحية النار, وتحريك القدم بعيدً عنها بغرض الحماية.

هذا كان باختصار ماافترضه ديكارات من حينها, وقد ترتبت عليها عدة نظريات واكتشافات لأشياء مثل مُختلف أنواع المستقبلات الحسية وغيرها.


نظرية ستروزنق (strong’s theory) في عام 1895.

افترضت هذا النظرية أن الألم عبارة عن تجربة تعتمد على عاملين:

  • المحفز الضار noxious stimulus
  • الأخرى تعتمد على رد الفعل النفسي أو الاستياء الناتج عن هذا الإحساس.

نظرية الألم الرابعة (the fourth theory of pain) عام 1940.

نصت هذه النظرية على أن الألم يعتمد على عاملين وهما إدراك الألم و ردة الفعل الناتجة عن ذلك والذي يتضمن عقلية الشخص, تجربه السابقة, البيئة التي نشأ فيها وغير ذلك من العوامل النفسية.


نظرية التجمع المركزي (central summation theory) والتي نُشرت في عام 1943.

افترضت أن التحفيز الشديد الناتج من تضرر الأنسجة والأعصاب ينتج عنه تنشيط للألياف التي تعمل على تجمعات العصبون المتوسط للأعصاب internuncial neuron pools الموجود في الحبل الشوكي مسببةً دائرة انعكساية غير طبيعية مع أعصاب ذات تحفيز ذاتي. وهذا التحفيز طويل المدى في الحبل الشوكي والمعلومات المتعلقة به تصل إلى الدماغ من أجل إدراك الألم.


نظرية التفاعل الحسي (sensory interaction theory) عام 1959.

وصفت هذه النظرية نظامين يقومان بنقل الألم إحداها سريع والآخر بطيء.


نظرية بوابة التحكم (gate control theory). في عام 1965.

نصّت هذه لنظرية على الآتي: أن المحفز الضار يُحمل عن طريق خلايا صغيرة وبطيئة متخصصة تذهب إلى الطرف الظهري للحبل الشوكي لتقوم خلايا أخرى بحملها إلى الدماغ.

وتُعرف هذه الخلايا بـ T cells والتي تتواجد في الحبل الشوكي في منظقة مسماة بـ substantial gelatinosa. وتعبر النخاع الشوكي بشكل عرضي لتصل إلى مراكز الدماغ عبر spinthalamic tract مرورً ب ventrobasal nuclei الموجودة في منطقة المهاد والتي تقوم بدورها في تحويل المعلومات إلى قشرة الدماغ. لتقوم بتحليلها.

وقد أضاف كل من رونالد ميل زاك وباتريك وول ملاحظات أخرى على النظرية حيث ناقشا كون التحفيز الحاصل في هذا الطريق المذكور أعلاه يتأثر بأنشطة أخرى تعمل على قطع الطريق على هذه المعلومات للوصل إلى الدماغ (C fibers and A delta fibers).

عندما تصل المعلومات إلى المراكز السفلى للدماغ يتم التعامل معها بشكل سريع لإصدار ردة فعل نخدم النجاة survival من الخطر وبعد معالجة الخطر يتم تحويلها إلى المراكز العليا المختصة بالتخطيط والتحليل والذاكرة وغيرها. ويعتمد الدماغ في تحليلات على كل المعلومات المخزنة السابقة والتي لها علاقة بهذه المعلومات من تجارب سابقة, ذكريات, معتقدات وغيرها وأيضاً تلعب القرائن الموجودة في وقت حدوث المحفز الضار دورًا في تقييم وتحليل درجة الخطر.

في رابط الفيديو الآتي يشرح لوريمر موزلي كيف نحس بالألم بطريقة مذهلة وبسيطة.

 


نظرية حِدة الألم (intensity theory of pain). بُني مفهومها ابتداءًا من 1998.

افترضت هذه النظرية كون الألم عبارة عن شعور يحدث حينما يكون المُحفّز أقوى من المعتاد بناءًا على مفهوم Aristotle’s  والذي يقول بأن الألم ماهو إلا نتاج كثافة المُحفزات لحس اللمس. وتعتمد هذه النظرية أيضًا على مفهوم   central summation (مجموع المُحفزات) بجانب كثافة المُحفز والتي يجب أن تخترق العتبة threshold لينتج عنها الألم.


هذه كانت جولة تاريخية سريعة على نظريات الألم والتي كان أبرزها نظرية ديكارت والتي مازال يُعمل بها على الرغم من تفنيدها وعدم تفسيرها لكثير من ظواهر الألم, ونظرية بوابة الألم والتي تُعد الأشمل وتُفسّر كثير من تعقيدات الآلام. وتبقى النظرة الشمولية لجميع زوايا الموضوع هي الأفضل وهي التي تؤدي لنتائج أكثر وأكمل.

انتظرونا في المقالة الآتية لنرى كيف يمكن لخلل في نظام كبير أن يتلاعب بأكثر طرق الجسم دفاعية.


 

المصادر

  • Louw, A. and Puentedura, E. (2013). Therapeutic neuroscience education. [Story City, IA]: International Spine and Pain Institute.
  • Melzack, R. and Wall, P. (2008). The challenge of pain. Harmondsworth: Penguin.
  • (2019). Theories of Pain. [online] Available at: https://www.physio-pedia.com/Theories_of_Pain [Accessed 14 Mar. 2019].
  • Moayedi, M. and Davis, K. (2013). Theories of pain: from specificity to gate control. Journal of Neurophysiology, 109(1), pp.5-12.

اترك رد