مستجدات علمية في خشونة المفاصل

Standard
شارك المقال

خشونة المفاصل: حان الوقت لتحريك الدفة

بقلم : يوسف صادق 

تصميم الأنفوجرافيك : فيصل مزيني


تعد خشونة المفاصل من أكثر الحالات انتشارًا و إعاقة، و التي تصيب تقريبًا واحد من كل ثمانية أشخاص من البالغين عالمياً. و تعد من أكثر الحالات التي تعيق كبار السن حركيًا، كما أنها تكلف نظام الرعاية الصحية ميزانية ضخمة، لتسبب عبئًا حقيقيًا على الفرد و المجتمع. و من المتوقع زيادة انتشارها بشكل كبير نتيجة للتغيرات المجتمعية و الديموغرافية كزيادة الوزن و نمو المجتمع نحو الشيخوخة.

و في ظل هذا العبء الجوهري، هناك الكثير من الحالات تم التعامل معها سلبًا، و الأغلبية تلقوا العلاج الغير ملائم لهم.

في هذا المقال سوف نسلط الضوء على نقاط مهمة تتعلق بهذه المشكلة.


  1. عوامل الخطر المؤدية لخشونة المفصل (Risk Factors) :

هناك عدة عوامل تؤدي لحدوث خشونة المفصل و لكن أهم و أكثر عامليَن منتشريَن هما: السمنة المفرطة، و التعرض إلى إصابة في المفصل. و لِحسن الحظ بأن كلاهما من العوامل القابلة للتحكم فيها و تعديلها. من المهم كذلك بأن نستعرض العوامل و ما تتضمنها من آثار محتملة على الصحة العامة.

على رأس الهرم، السمنة المفرطة هو وباء العصر و له آثار عدة على كثير من الأمراض المزمنة الغير معدية. لا يمكننا تجاهل مسؤولية الفرد حول هذه المشكلة و لكنها تحتاج كذلك إلى دعم حكومي و تنظيمي: مثل تغيير السياسيات بهدف تحسين الوزن الصحي و التقليل من الخمول و تسهيل الكثير من الفوائد المترتبة عليها.

يأتي بعد ذلك التعرض للإصابة أو صدمة في المفصل و أكثر المفاصل تعرضًا للصدمات هو الركبة. و هي مشكلة منتشرة بشكل واسع في المجتمع و يتعرض لها بشكل أساسي البالغين الصغار (20- 30 سنة) و الأغلبية من هؤلاء ينشئ لديهم خشونة في المفصل خلال 10 إلى 15 سنة. و تؤثر هذه المشكلة على جوانب عدة كالعمل، الإعاقة و الصحة العامة. الكثير من البرامج و الخطط طبقت بنجاح في سبيل الحد و منع الإصابة في العديد من الرياضات و من الضروري تبنيها و تطبيقها و التشجيع عليها على نطاق أوسع في العالم.

إن عدم التوعية بـ التدخلات الصحية العامة لهذه العوامل القابلة للمنع هو فشل رئيسي في عتادنا العلاجي الذي نملكه من علم , أجهزة و أساليب.


  1. طريقة تطور المرض (Pathogenesis):

فهمنا لكيفية حدوث خشونة المفصل تقدم و تطور بشكل مثير. لم يعد هذا المرض مقتصر على وجود مشكلة في الغضروف ، بل إن المصطلحات القديمة مثل: wear, tear and degenerative تعتبر مصطلحات غير دقيقة و عفى عليها الزمن. إن أفضل وصف لخشونة المفصل هو: مرض مع تغيير مزمن غير طبيعي لبنية المفصل مما يؤثر على كامل أجزاء و مكونات المفصل الزلالي و ينتج عن ذلك فشل وعجز في الوظيفة و البنية. 

تاريخيا مصطلح (osteoarthrosis) استخدم لتمييزه و تفريقه عن باقي الأمراض الإلتهابية المفصلية. و الآن كلنا نعلم بأن الإلتهاب هو جزء هام في فسيولوجية خشونة المفصل و لذلك أصبح المصطلح بنهاية (itis) ليدل على أن المرض يتضمنه عملية إلتهابية. هذه التغيرات الإلتهابية أتت بواسطة الأنسجة الدهنية، و زيادة أهمية الدور الذي تقوم به الدهون في هذا المرض ليست مبالغة. بشكل مشابه, كنا نعلم لسنين عدة بأن زيادة القوة العضلية من خلال استهداف بعض العضلات هو وسيلة علاجية مهمة. و الآن لدينا فهم أفضل في الدور الذي تقوم به العضلات في كلٍ من نشأة المرض و التعامل معه.


  1. التشخيص:

التغيرات التي تحدث في بنية المفصل قد ينظر لها بأنها مَرضية. و هذه التغيرات قد تقودنا إلى معلومات سريرية مهمة، فقط عندما يأتي المريض بأعراض عرضية ظاهرة لنا تتناسب معها . حيث أن عدد من الناس قد تظهر لهم تغيرات في المفصل بالأشعة بدون أي اعراض مرتبطة به و من هنا تكمن أهمية فهم تاريخ المريض و الفحص السريري.

الأعراض السريرية المصاحبة لخشونة المفصل تشمل و بشكل أساسي الألم و هو العرض الرئيسي الذي قد يدفع الناس لزيارة المستشفى.  معرفة الأسباب الكامنة وراء الألم معقدة ، والإطار البيولوجي النفسي الإجتماعي (biopsychosocial framework) الذي يُفهم من خلاله هذا الأمر يستند إلى كيان بيولوجي معقد و هو المريض.  معرفة أسباب الألم مسألة معقدة لا تستند على جانب واحد الجسدي فقط ، يجب علينا أن نعلم بأن هذا المرض أو المتلازمة له أوجه عدة و متغايرة تشمل الجوانب الجسدية , النفسية و الأجتماعية.

لقد تحسن فهمنا للتغيرات البنيوية المتأصلة في هذا المرض من خلال التطورات الهائلة في كل من التكنولوجيا التصويرية , التفسيرات و التأويلات لهذا المرض. من المهم كذلك بأن نفهم أن تشخيص خشونة المفصل تعتمد على التشخيص السريري و ربطه بالأعراض الظاهرة للمريض، و الاستخدام المفرط للتصوير أو الأشعة يمكن أن يكون له آثار سلبية فيما يتعلق باستخدام الموارد الصحية المفرط و الإفراط في العلاج المقدم الذي قد لا يحتاجه المريض. حيث قد يتم وضع التشخيص بناءاً على ما ظهر الأشعة فقط حتى مع عدم ظهور أي أعراض أخرى و هو أمر سلبي. إن التشخيص و الخطة العلاجية المقدمة لمرضى الخشونة يجب أن تبدأ بتقييم شامل للمريض عوضًا عن الاعتماد على الأشعة التشخيصية فقط.

 

العلاقة بين ظهور ألم بالركبة و ظهور تغيرات خشونة في الركبة على سبيل المثال ليست قوية و في دراسة 2008 bedson تم التوصل بأنه لا ينصح بـ الأعتماد على الأشعة فقط في تشخيص الخشونة


  1. كيفية التعامل مع المرض:

 إن كيفية التعامل مع خشونة المفصل ليست متوافقة مع المبادئ الإرشادية (guidelines) التي تم التوصل إليها وفق أخر الأبحاث ، بل إن أكثرية مرضى الخشونة لم يتلقوا العلاج المناسب لهم.  يجب أن نركز على استخدام الإستراتيجيات المثبتة علميًا و القائمة على تغيير نمط الحياة و السلوك و المتبع فيها أمور مهمة مثل:

التمارين , النشاط الحركي , تجنب الخمول و فقدان الوزن.

تجربة بحثية 2017 تم تقسيم الأشخاص المعرضين للخشونة أو المصابين بها لثلاث مجموعات :

  • مجموعة نشطة بنسبة عالية تساوي أكثر من 150 دقيقة نشاط في الأسبوع
  • مجموعة نشطة بشكل خفيف أقل من 150 دقيقة نشاط في الأسبوع
  • مجموعة غير نشطة حركياً

ثم تم متابعة نسبة تعرضهم لأعاقات حركية أو مشاكل بسبب الخشونة خلال سنتين و ما توصلوا إليه بأن المجموعتين الحركية الأولى أظهرت تحسناً كبيراً جداً و خف معدل ظهور الأعاقات الحركية لديهم , و حتى لهؤلاء الغير نشيطين سابقاً الزيادة الخفيفة في النشاط أثرت أيجايباً على المشاكل الحركية لديهم و قد ساهم هذا في تخفيف العبء المالي و الأقتصادي بالنسبة لهؤلاء الأفراد.


 

و يجب الحرص على تقليل استخدام العلاجات الأقل فعالية و الأكثر تكلفة. هناك أدلة قوية تشير إلى أن العديد من العلاجات المقدمة مثل: الباراسيتامول، جلوكوزامين، الأدوية الأفيونيه، فحص المفصل بالمنظار، الحقن المزيتة. مجرد علاجات ملطفة مؤقتة المفعول لا تمتلك في كثير من الأحيان الفائدة السريرية الحقيقية، سوى أنها علاجات وهمية و ضارة و ذات تكلفة عالية.

من المهم أيضًا بأن نسأل المريض عن أي علاجات مكملة يقوم باستخدامها. و الأغلبية من المرضى يأخذ واحد أو أكثر من تلك العلاجات التي اثبتت الدراسات بانها ليست أفضل من العلاج الوهمي (placebo). ليس تقليلا من أهمية العلاج الوهمي و لكن هناك الكثر من الدراسات الواعدة و إن كانت ضعيفة الجودة إلا أنها توحي بأن بعض المكملات الأخرى مثل: اللبان، الكركومين، لحاء الصنوبر البحري (Pycnogenol) قد يكون لها تأثيرات مهمة سريريًا.

الرعاية المقدمة لمرضى الخشونة يجب أن تكون مناسبة و مصممة وفقاً لإحتياجات و أهداف المريض الفردية. مع التركيز على تحسين جودة ممارسة الفرد لحياته على المدى الطويل

إتخاذ القرار يجب أن يستند على أفضل الأدلة العلمية في:

  • أولويات سلامة المرضى.
  • معلومات سهلة الفهم للمرضى.
  • توقع مسبق لإحتياجات المرضى. 

نظام الرعاية الصحية يجب أن يشجع على:

  •  تحسين معرفة المريض و تثقيفه بشكل مناسب.
  • التعامل الذاتي من قبل المريض مع حالته.
  • تقديم الرعاية الصحية من قبل فريق متعدد التخصصات في الأمراض المزمنة.

هذا النموذج من الرعاية الصحية مدعوم من قبل مستجدات الإرشادات العلمية الأخيرة، و سوف يسهل تحسن نتائج المرضى بينما نقلل من التدخلات الغير ملائمة للرعاية الصحية و استهلاك المصادر الفارغ.


  1. الخلاصة:

 العلاج الفعال لأي مرض ذو صفة متطورة و متقدمة يجب أن يتضمنه التحكم بالعوامل التي تدفع تطور المرض. النشاط و الحركة يجب أن تكون جزء أساسي ضمن خطة التحكم هذه.

و مع التطورات المثيرة في المجال العلاجي للأعراض و مجال تعديل الأمراض، من الممكن أن نشهد فوائد عظيمة تعود على المرضى بالنفع خلال السنوات القليلة القادمة.

استمرار الأعراض المزمنة التي تحد من قدرة المريض على ممارسة حياته خلال فترة علاجه الغير جراحي ، قد يشير إلى احتياج المريض إلى تدخل جراحي. و لكن من المهم أن يتم اتخاذ القرار بمشاركة المريض حول ما إذا كان التدخل الجراحي هو المناسب له و لمرحلته المرضية ليتم استبدال المفصل.



المراجع

اترك رد