التدرب داخل عقلك مجدي ولكن بصورة مختلفة !

Standard
شارك المقال

 

تدربك على مهارة ما بشكل ذهني و تصوري يختلف تماما عن ممارستها جسديا ، فأنت في هذه الحالة لاتقوم بعمل أي شي يساعدك على إكتساب هذه المهارة سوى ممارستها ذهنيا ، ومع ذلك فقد أظهرت الأبحاث مرارا و تكرار أنه يمكنك إكتساب وتعلم مهارة من خلال الممارسة الذهنية فقط ، حتى وإن لم تمارسها من قبل !

ترجمه بتصرف : عبدالله الشمري

تنسيق وتصميم الهيدر : نوره عبدالرزاق  


محاكاة حركة بشكل ذهني فقط يسمى التصور الحركي (motor imagery) وهو عنوان شهير في علم الأعصاب الحركي (movement neuroscience) لأسباب كثيرة ، أحد هذه الأسباب هي الإستخدامات الممكنة و العديدة له في التمارين الرياضية و إعادة التأهيل ، وحتى على الصعيد العلمي يعتبر موضوع مثير للإهتمام .. فكيف نستطيع تعلم مهارة حركية من دون ممارستها بشكل حقيقي ؟

هذا السؤال كان الحافز لنشر أحد الباحثين أُطْرُوحَة حديثه في مجلة (Behavioral Neuroscience  ) ، الباحثون لازالوا غير متأكدين ما إذا كان اكتساب المهارة عن طريقة التصور الحركي يكون من خلال :تطور وتحسن المعالجة الإدراكية للإنسان (perceptual process) : وهي القدرة على تفسير المنبهات (Stimuli) الخارجية وتحويلها الى معنى . او يكون من خلال التخطيط الحركي او تنفيذ الحركة .

وليس من المستغرب ان التعلم و إكتساب مهارة جديدة يعتمد على مزيج من العمليات المختلفة والعديدة . و السؤال هنا .. هل التصور الحركي (motor imagery) يعتمد على عمليات محددة اكثر من غيرها ؟؟ وكيف يكون التصور الحركي مقارنةً بالتدرب الجسدي ؟ هذا ماسنعرفه من خلال دراسة الباحث ..

ملخص دراسة الباحث :

هدف الباحث من هذه الدراسة هو ايجاد لمحة عن ماذكر باستخدام (transfer tasks)  وبشكل مبسط يكون ذالك بإختبار المشاركين للقيام بمهمة ما والتي تختلف عن كونها تمرين .

و القيام بذلك يسمح باختبار قدرة الشخص على الإنتقال من مجرد التمرين الى وضع جديد ومختلف كليّا .. مثال للإستيضاح : نطلب من الشخص القيام بمهمة او  حركة بسرعة محددة ثم نختبرهم بسرعة مغايرة عن السابق ونرى كيف أدائهم .

الباحث في هذه الدراسة جعل المشاركين يقومون بضغط الأزرار في لوحة المفاتيح بشكل متسلسل عن طريق التصور الحركي (motor imagery) للمجموعة الأولى . و ضغط الأزرار بشكل حقيقي على لوحة المفاتيح للمجموعة الأخرى .

اجْلَس المشاركين على كرسي و أمامهم لوحة المفاتح و أسْمَعَهم الأرقام بشكل عشوائي من 1 الى 4 ثم تكون الإستجابة من المشاركين في المجموعة الأولى بالتصوُّر الحركي بضغط الزر ، اما المجموعة الثانية فتكون الإستجابة بضغط الزر على لوحة المفاتيح .

يخيّل للمشاركين أن الأرقام تذكر بشكل عشوائي بينما الواقع هي سلسة مكررة من الأرقام وهذا هو المطلوب كي نضمن أنهم تعلموا “ضمنيا”، دون وعي واضح للتسلسل ، بهذه الطريقة يمكننا أن تجنب (إلى حد ما) وجود مشاركين حفظوا تسلسل الأرقام .. ( إستبعد الباحث اي مشارك قد عَلِم وأدرك تسلسل الارقام كي يكون آداء المشاركين في كلتا المجموعتين مقاربا قدر الإمكان ).

في النهاية جميع المشاركين قاموا بأداء مهمة من اثنتين ، الأولى كانت بتغير إدراكي و الأخرى بتغير حركي و معنى ذالك :

أن في الحالة الأولى حيث كان التغير إدراكي كان ظهور الأرقام على شكل صور في شاشة تعرض امامهم بدلا من سماعها ، اما في الحالة الثانية حيث التغير الحركي طلب من المرضى تغيير اليد لــلــيد الأخرى .

وما وجد كان مثيرا للإهتمام .. ففي المجوعة حيث ضغط الأزرار كان ذهنيا و من خلال التصور الحركي (motor imagery) لوحظ أن عند حدوث التغيير الإدراكي (أي عند عرض الأرقام على الشاشة) كان الإضطراب وحدوث بعض الأخطاء من بعض المشاركين .. ولم يكن ذلك عند حدوث التغير الحركي ( أي عند إستخدام اليد الأخرى )

وعلى الكفة الأخرى حيث تدربت المجموعة بضغط الأزرار بشكل حقيقي كان حدوث الأخطاء و الإضطراب عند المشاركين في كلتا الحالتين وأكثر مايكون عند حدوث التغير الحركي ( إستخدام اليد الأخرى ) !!

ما المعنى من هذا ؟

إستنتج الباحث أن التعلم عن طريق التصور الحركي (motor imagery) قد يعتمد بشكل اكبر على المعالجة الإدراكية للإنسان مقارنة بالتعلم عن طريق الممارسة الجسدية و الذي يظهر أنه يعتمد على المعالجة الحركية للإنسان بشكل اكبر والذي يتوافق مع أحد البحوث الذي ينص على أن التصور الحركي ينشّط بإستمرار مناطق المخ المشاركة في المعالجة الإدراكية مثل القشرة الجدارية للمخ (the parietal cortex) بينما مناطق المخ المشاركة في المعالجة الحركية تنشَط بشكل اقل كالقشرة الحركية للمخ (motor cortex).

وهذا لايعني ان المعالجة الحركية  ليس لها علاقة في التصور الحركي . فيمكن أن يكون هناك علاقة لا سيما مع ممارسة المهام التي تعتمد أكثر على العمليات الحركية بحكم طبيعتها المعقدة.

فتسلسل تعلم المهام بإستخدام الضغط على الزر اذا كان الشخص مستخدم للحاسب اللآلي بشكل منتظم يكون بشكل أفضل وأسرع من غيره وهكذا.. وبالتالي هذه الأنواع من المهام التجريبية من المرجح انها تعتمد بشكل أكبر على المعالجة الإدراكية و التخطيط الحركي معا ، مثل رسم خرائط استجابة في المخ والتي تكون على شكل حركة مع أي مؤثر او منبه ، والذي لا يزال جانبا هاما من جوانب التعلم الحركي .

تخيل لاعب البيسبول والذي بإمكانه أن يحرك المضرب تماما كما هو مخطط له ويتخيله ولكنه يستمر بإختيار الحركة الخاطئة لرمية معينة عند اداء ماتخيله جسديا ! وهذا يدل على أن كلا الجانبين (المعالجة الإدراكية و التخطيط الحركي) مهم لإتقان مهارة ما .

 وفي كلتا الحالتين، تظهر نتائج الباحث (على الأقل مع هذا النوع من المهام) أن التعلم القائم على التصور الحركي يعتمد بشكل كبير على التعلم الإدراكي مقارنة بالتعلم الجسدي .

قد يكون هذا أحد الفروق الأكثر أهمية بين التصور الحركي و التدرب الجسدي .

و كما هو الحال مع معظم الدراسات ، هذا يتركنا مع أسئلة أكثر مما كانت عندما بدأنا !!

والباحث هنا مهتم فيما إذا كان هذا صحيحا في مراحل لاحقة من التعلم لمهارة غير المذكورة في دراسته وإن كان هذا أيضا ينطبق على مهام أكثر تعقيدا والتي تعتمد على جوانب مختلفة و عمليات اكثر من ذلك.

ومنذ ظهور مايسمى بالتصور الحركي ليقود العملية التعلمية الى طريقة مختلفة جذريا .. هل الجمع بين التصور الحركي وبين الممارسة البدنية لها فوائد لامثيل لها ام لا ؟ وهذا ما يعد الباحث بالتدوين عنه مستقبلا ..

اترك رد